يعتبر الكثيرون تأسيس الولايات المتحدة واحدة من أعظم التجارب في تاريخ البشرية. مجتمع يقوم على الحرية والمساواة وسيادة الشعب—قيم لم تُرفع كشعارات فقط، بل جرى السعي الحقيقي لتحقيقها. ولهذا الرأي ما يبرره. فقد حاولت الولايات المتحدة تحويل المبادئ إلى نظام سياسي واجتماعي فعّال، ومع مرور الوقت أصبحت أرض الفرص للملايين. وحتى اليوم، لا تزال تمثل رمزًا للأمل للعديد من الناس حول العالم.
وبعد حوالي 170 عامًا، بدأت تجربة أخرى على شبه الجزيرة الكورية.
فبعد التحرر من الاستعمار الياباني، اختارت كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية مسارين مختلفين جذريًا. تبنّت كوريا الجنوبية الرأسمالية واقتصاد السوق، في حين اختارت كوريا الشمالية الشيوعية والاقتصاد المخطط مركزيًا. تختلف هاتان المنظومتان في جوهرهما: فالرأسمالية تركز على حرية السوق وخيارات الفرد، بينما تقوم الشيوعية على التخطيط والسيطرة من قبل الدولة.
ما يجعل هذه التجربة فريدة هو وضوح شروط المقارنة.
فقد كان الجانبان يتشاركان في العرق واللغة والخلفية التاريخية. وكانت الأسس الاقتصادية متقاربة أيضًا—بل إن كوريا الشمالية كانت تتمتع بميزة نسبية من حيث البنية التحتية الصناعية والموارد الطبيعية. وهذا يعني أن الفروقات التي ظهرت لاحقًا يمكن تفسيرها بدرجة كبيرة على أساس النظام الذي اختاره كل طرف.
مع مرور الوقت، تباعدت طرق الجانبين بشكل كبير.
فقد سعت كوريا الجنوبية إلى التصنيع السريع واستثمرت بقوة في التعليم ضمن إطار اقتصادي قائم على السوق. كما فتحت أبوابها للتبادل مع العالم الخارجي، وكان بإمكان الأفراد تحسين حياتهم من خلال نشاطهم الاقتصادي، فارتفع مستوى المعيشة بشكل مطّرد.
أما كوريا الشمالية، فقد أخضعت جميع الأنشطة الاقتصادية تقريبًا لسيطرة الدولة. فتم قمع الأسواق، وتقييد المنافسة. ورغم تحقيق بعض النتائج في البداية، إلا أن النظام عانى من نقص في المرونة. ومع الوقت، تراكمت أوجه القصور ونقص الموارد. فتوقف مستوى المعيشة عن التحسن، وأصبحت الدولة أكثر عزلة عن العالم الخارجي.
لم تكن هذه مجرد مواجهة أيديولوجية.
بل كانت اختبارًا واقعيًا لكيفية عمل الأنظمة المختلفة عندما تُطبّق في ظروف متماثلة تقريبًا. وقد ظهرت الفروقات الهيكلية بشكل أوضح في حياة الناس اليومية.
والنتيجة واضحة إلى حد بعيد.
فالنظام القائم على السوق وحرية الفرد تمكن من التكيف مع التغيرات وتحقيق النمو، بينما قاد النظام القائم على التخطيط والسيطرة إلى الجمود والعزلة. هذه ليست فروقات نظرية فحسب، بل واقعية، تنعكس مباشرة في ظروف حياة الناس.
وهذه التجربة لم تنتهِ بعد.
لا تزال شبه الجزيرة الكورية مقسّمة، ولا يزال كل طرف يسلك طريقه الخاص. لكن عقودًا من التجربة تشير إلى حقيقة أساسية:
عند تقييم أي نظام هو الأنسب لحياة الإنسان، فإن النتائج أهم من المثُل العليا.
لقد أصبحت شبه الجزيرة الكورية واحدة من أوضح ميادين الاختبار التاريخية لهذه الحقيقة.

